طه عدنان يقلب الطاولة على العشاق والمتيمين

الرباط - إبراهيم الحجري
لم يعد الشعر في قواميس الشعراء الجدد مجرد كلام موزون مقفى له معنى كما تداوله المقعِّدون الأوائل والمصممون الرواد، بل اتخذ قواعد جديدة وضوابط ومتغيرات لا محددة في التداول النقدي والشعري الجديدين. ولعل من بين هاته المتغيرات غير الثابتة، وأوضحها، نجد هذا التطرف ليس ضد الضوابط الكلاسيكية المعروفة للنص الشعري، بل أيضا ضد المعنى. لقد أصبح الشاعر المعاصر أو العصري ثائراً على المعاني نفسها، وكأنه بذلك يريد أن يكتب قصيدة حافية تتأبى على الحتمية الدلالية التي تربطها فعليا بالسياقات التي يكرهها الشاعر وينفر منها.
لقد أصبح المعنى من الحقائق التي تحرج النص الشعري المعاصر وتقلقه، فبالنظر إلى خواء العصر من فلسفة الدلالة، وامتلائه بالمفارقات الساخرة، والتناقضات الصارخة، والتهافت المهول على خلخلة القيم، والدوس على الأخلاق مقابل الإقبال المتنامي على المادية المفرطة، والسباق صوب الملذات والغرائز.
هكذا يمكن وضع تجربة ديوان «أكره الحب» للشاعر طه عدنان الذي عوّدنا دوما على الطلات المخالفة، والخرجات اللافتة في اجتراح الدلالة الشعرية، في هذا الإطار، فمسألة التجريب الشكلي للقصيدة بالنسبة إليه أصبحت متجاوزة، وعليه يجب الإقبال على تشغيل الدلالات المفارقة التي يحبل بها الواقع، ويعيشها الناس بشكل يومي بوصفها حقائق واضحة. إن رهان الشاعر على خلخلة الدلالات الشعرية دليل على إحساسه المفارق بلا جدوى ثبوت المعنى في القصيدة ما دام اللامعنى هو جوهر الحياة المعاشة. وما دامت القيم أضحت تمشي على رأسها في زمن مختل بكل المقاييس. لقد سخر الشاعر من المعنى المنمَّط، ورثى الشعراء الواقفين على رموس المعاني التي لم يعد لها من وجود إلا في مخيلاتهم وقواميسهم العمياء. لكنه سخر بمرارة لأنه تمنى لو يستمر تواجد هذه المعاني الجميلة والدلالات الحميمية في الواقع الفعلي، وليس طبعا في قصائد شعراء رومانسيين. إن السخرية هنا ليست ذات طابع تهديمي، بل الغاية منها إعادة تشكيل المعنى نفسه. وشعرية هذا التشييد تقوم على أساس تقويض عكسي، ما دامت الأمور لا تنفهم إلا بنقائضها. فالأبنية القوية لا تقوم على أساس مهترئ، بل تنهض على لبنات قوية، وحجارة صلدة.
إن السخرية في النص الشعري رهان ينبثق من الإحساس العميق بضرورة تغيير استراتيجية تشييد دلالة المحكي الشعري الذي لا يجب بالضرورة أن يساير تمثلات المخيلة النمطية المخاتلة. إن الدلالة ما دامت تبنى بنقيضها في الوقائع المعاشة، فالنص أحق بتبني هاته الاستراتيجية المقلوبة للتأسيس. ويستثمر الشاعر هاته الخطة انطلاقا من العنوان «أكره الحب» الذي يتبنى مقولة خطيرة تعلن تمرد الشاعر على قيمة إنسانية مؤسسة، بإجهازه على قيمة «الحب» ونسبة فعلها المضارع «أكره» إلى الذات. ومعلوم أنه حينما يتخلى الإنسان عن قيمة الحب، يمكن أن تنسب إلي

























اسمعونا اسمعونا ………. نحن أطفال صغار